” خروج عن النص .. لشاب في التسعينيات من عمره “

teapots-1858601_1920

بداخلي مقهى من الشاي و القهوة ، مقهى سيغني أطفالي و أحفادي عن إرتياد المقاهي .

أعتقد أنني قد خلفت ما أفتخر به بين أحفادي .. يبدو ذلك لي منجزآ عظيمآ كأي منجز يتفاخر به الرؤوساء و الزعماء .. 
إذن سأستمر ببناء هذا المقهى و إدخار كل ما أصادفه من الأكواب و الفناجين ..

نعم إنه لإنجاز أن تخلد إسمك بإنجاز كهذا .. ثم إننه لتنتابني رغبة عارمة في سبر أغوار هذا الإنجاز لكم ..

كعادتي .. أجلس وحيدآ .. هكذآ و ح ي د آ .. لكن كل الحروف بداخلي يملؤها الحياة .. لا قيمة للحياة بأحرف متباعدة مشتتة .. و هكذا تبدو وحدتي .. لا أنيس لي سوى الشاي .. أحضره .. أشربه .. أتلذذ به .. و أشربه و أتلذذ به ، ثم أنام على فوهة فناجيني لأصحو و أشربه مجددآ …

تراودني الكثير من الأسئلة و أنا أشرب الشاي .. دوري فيها الإجابة ليس إلا ..
أحيانآ أصمت كثيرآ لأجيب عن هذه الأسئلة بداخلي 
جيل كبير بداخلي يسأل .. جيل مليئ بالقوة و البصيرة .. نافذ الفكر و الرؤى ..

أضطر أحيانآ لإستعارة إجابات لأمم قد خلت لكنها تبدو كقشة أمام عزم هذا الجيل … هذا جيل لا قدوة له سوى نفسه .. و أي قدوة يمكن أن يغترف منها من هذا الجيل .. من هذا الجيل الذي أعاصره ..

يمر علي الفنجان كرشفات .. كل رشفة لها منزلة و لها حكاية ..
إنني أقدس هذه الرشفات .. فكل رشفة لابد أن تمر بمحطة ..

أرتشف كل واحدة منها و أنا في كامل يقظتي حتى لا أسأل نفسي يومآ كيف سمحت لنفسي أن أشرب رشفة و أنا شارد الذهن .. كيف سأراضي نفسي حينها ؟ 
لا بد من اليقظة أثناء عبور هذه الرحلة .

الرشفة الأولى عادة ما تكون ساخنة ، كأي قبلة تمامآ … 
البخار يتصاعد من فوهة الفنجان تمامآ كما تتصاعد الأشواق .. كحرارة التنهيدة .. كنار الحب ..

تتحرك الأسئلة بعدها كتحرك الكلمات بدخلل صدر عاشق ..

إنني أرى أحفادي و هم يعبرون المقاهي بداخلي يتسآلون ؟ أي عصر هذا الذي عشتم فيه ؟ أي حقبة سوداء عشتموها ؟ ماذا كان حكمكم ؟ ماذا كانت ديانتكم ؟

بصمت أجيب : كم يبدو هذا الشاي عظيمآ و هو يتبلور أمام عيني .. كأنني من شدة الوهلة أرى ذراته تداعب بعضها البعض أمامي .. كأن كل جزيئ فيه يشاركني الإعجاب به ..

الشاي هو متعة من لا متعة له .. و هو الرفيق لمن فقد الطريق …

تتوه و تلقي بك الأيام تحت ظلالا لا تعرفها .. تجهز موقدك ..و تشعل نارك و تبدأ الحياة …

و حين تشرب الشاي تشربه كأن ثمة حبيب يتراقص أمامك …

رشفة أخرى تتداعى الأسئلة .. الأحفاد يسألون .. لا مفر من هذه الشكيمة لديهم …

كيف لإنسان أن يعيش دون كرامة ؟ ما قيمة الحياة بمتاع خداع دون كرامة ؟ متى يظطر الإنسان للخروج عن صمته والدفاع عن كرامته ؟ لماذا كان يفضل البعض العيش تحت وطأة العبودية ؟ 
من كان الأحمق فيكم ؟ أأنتم أم ولي أموركم ؟ 
كيف لنا أن نتعلم منكم أمور دنيانا ؟

تبدو الرشفة الثانية أقل حرارة و لكنها ألذ طعمآ .. كأي علاقة حميمية .. تغلبها حرارة الأشواق في البداية ثم ما تلبث أن ينطفئ شهبها و تبقى لذة حلاوتها …

ثمة أسئلة تتراكم بداخلي .. الأحفاد يسألون و من المفترض أن أرد عليهم في الحال ؟
يبدو أنني سأغرق في بئر حيرتهم …
إنهم ليسوا كهذا الجيل المتبلد بالعبودية .. يفرح لوجود الماء و الهواء .. نعم هذا جيل متخم بالعبودية

نحن كما يقول الشاعر التركي ( أورهان ولي قانيك ) في قصيدته بالمجان :

” نحن نعيش بالمجان ، بالمجان
الهواء بلا مقابل ، و الغمام بالمجان
الجداول و التلال ،
المطر و الوحل كذلك بالمجان 
بإمكاننا رؤية مظاهر السيارات ،
أبواب السينما ،
نوافذ الدكاكين 
دون مقابل .. بالمجان 
كل ذلك دون مقابل 
لكن الخبز و الجبنة 
فهي ليست بالمجان
عدى مياه البحر المالحة …
الحرية ثمنها الرأس
و العبودية بالمجان
نحن نعيش دون مقابل ..نعيش بالمجان “

poor-1775239_1920

نحن جيل نعشق العيش بالمجان فكيف لي أن أفضح أواصر هذا الحب لأحفادي .. كيف لي أن أطلعهم على سر الصمود الوهمي ذاك الذي توهمنا أنني نعيشه ؟؟

الأحفاد يسألون و أنا في ضجيج الصمت أحترق 
كيف كنتم تدعون القوة و أنتم منهزمون ؟ كيف عشتم دون وطن ؟
كيف سلبت الأوطان منكم ؟
كيف كنتم تدعون حب الوطن و تنخرون جسده بصمتكم و ركوعكم ؟
كيف كنتم تدعون المعايشة و تتقاتلون فيما بينكم ؟
كيف كنتم تصفقون لقاتلكم ؟
كيف كنتم تفخرون بمسائكم ؟
ماذا كان لديكم لتفخرون به سوى الوهم .. سوى ذرات من كلام متناثر لا قيمة له أمام الحياة ..
كنتم تعيشون على الوعود الفارهة و عليها تموتون ..

لا مناص لي من الإبتعاد أكثر أو المراوغة إذن .. هذا الجيل لا يحكمه سوى العقل

حسنآ سأجيبكم يا أوغاد

لقد عشنا يا أحفادي في زمن مليء بالعبودية .. لم يكن العالم بأسره .. نحن فقط
أينما وليت وجهك شطر قوميتك و ديانتك وجدت العبودية ..
كان يحكمنا سلاطين ولائهم لآل صهيون ، يجلس بقربهم راهبون يسوقون الناس لعبادة هذه القرابين ..كانوا يقولون أن العصيان معصية .. و نحن لا نحب الخوض في المعاصي .. نحب اجتناب الكبائر … نخشى عذاب النار ..
في الحقيقة نحن كنا لا نعبد سوى آل صهيون ..

كانوا يقولون أنهم بنفس ديانتنا .. يحكمونا بشريعنا .. يقولون أن منهجنا و ديانتنا الإسلام 
ولكن لم نكن كذلك …
لم نكن نعرف شيئآ عن الإسلام .. 
لم يكن الحاكم مسلمآ و لا رعيته 
كان الحاكم يدعي الحكم بالعدل 
ثم يختلس أموال الناس في مجلسه 
كان العالم ينصح الناس و يدعي الصلاح 
و يترك أسرته
حسنآ يا أحفاد .. الإسلام ليس كذلك .. الإسلام هو الكرامة و لا كرامة للعبد حين يطأطأ رأسه لمولاه ..

نصبوا علينا قوانيين و تشاريع جديدة ثم ألبسوها ثياب التقوى و قالوا عنها دساتير …
كانوا يخبطون فينا عن الزهد و أيادهم متوغلة في جيوب غيرهم … 
كانوا يحدثونا عن سارق البيضة و يميعون تحتها سارق الوطن .. 
كانوا يحدثونا عن ثبات الصحابة أمام الحق و هم مصابون بالجبن و التخلف … 
كانوا يحدثونا عن الجنة و نعيمها و ينسونا الدار الدنيا و نصيبنا منها …

لقد كنا نعيش الوهم و نتفسه كما تتنفسون أنتم العزة ..

كنا أذلاء ضعفاء نتوارى تحت سماء السلطان نمدحه و نمجده ..
حتى أننا نصفق له حين نراه نراه يعقد الصفقات له و حرمه ..
كنا بلهاء جدآ 
مسطولون
حمقاء من الدرجة الرفيعة 
نفرح حين يصيبنا المطر و نحزن لغروب الشمس 
لقد كنا نتذوق العبودية 
لم نكن نفقه يومآ بأنا بلا كرامة ..

الرشفة الأخيرة

تبدو الرشفة الأخيرة كعناق أبدي .. كوداع .. كحضنة أخيرة ..
باردة تبدو .. و لكنها ذات لذة مثيرة .. 
فوهة الفنجان مليئة بالقبلات 
و الوداع قد حان مجيئه ..
يدخل في حضرة هذا الحوار المسيح الدجال .. يفسد هذه اللحظات .. يعلن عن خروجه و إثارته قضايا جديدة في هذا العالم ..

و الآن يا أحفاد . .قد وصلنا للنهاية .. لم يعد هناك مجال للعيش ..

نحن ذاهبون لحياة جديدة .. على الأقل سنحيا هناك بكرامة ..

عبدالرحمن عارف

 

مصدر الصور